هل يكسر الفلسطنيون حصار ال ٧٠ عاماً اليوم؟ وما هي كلفته الدموية!

نعد السنوات، التي مرت على النكبة الفلسطينية: خمسون عاماً ، ستون عاماً، وفي 15 أيار/ مايو من العام 2018 ندخل لنعد العام لسبعين. لم تكن وطئة النكبة بالبسيطة، ليس فقط على الفلسطينيين وإنما على العرب جميعاً. ولا يمكن فصل ما حدث في العام 1948، عما يحدث في البلاد العربية منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم. وفي قراءة لما كتبه بعض المفكرين العرب يمكننا أن نستخلص شيئاً يوصف الألم الذي حمله معنى النكبة في بلادنا على طول عشرات السنين الماضية. قسطنطين زريق، هو من أوائل المفكرين العرب الذين ظهروا في النصف الأول من القرن العشرين، والذي توفي في العام 2000؛ يكتب في “معنى النكبة” في العام 1948 : “ليست هزيمة العرب في فلسطين بالنكسة البسيطة، أو بالشر الهين العابر. وإنما هي نكبة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما ابتلي العرب به في تاريخهم الطويل”. ويتابع: “أن سبع دول عربية أعلنت الحرب على الصهيونية في فلسطين، تقف عاجزة ثم تنكص على أعقابها، موقف لم يكن على قدر الخطب النارية التي القيت من أفواه السياسيين أنذاك”.

لقد ولدت النكبة التي أصابت أكثر القضايا عدالة في العالم وأقربها إلى الحق، ألا وهي قضية فلسطين، التي اغتصبت من أهلها لصالح شراذم في العالم. حيث شرد أكثر من أربعمائة إنسان من بيوتهم، ومن ثم عاد الحكام العرب ليسترحموا العالم من اجل إعادتهم. ويؤكد قسطنطين أن ما نعيشه اليوم ونعرفه جميعاً، أنه بالإضافة إلى الخسارة المادية التي أصابت الفلسطينيين والعرب في نكبة فلسطين هو الخسارة المعنوية والتي تجلت بانعدام الثقة والشك بالحكام العرب وتسرب اليأس إلى قلوبهم. إلا أن قسطنطين يعود ويستدرك أنه علينا الإقرار بالقوة المهيمنة الأجنبية، التي تسيطر على البلاد العربية. وأن مصالح الدول مهما تكن هي التي تقود العالم. ومن أجل استعادة العرب لمكانتهم يجب أن تتلاقى مصالحهم كدول مع مصالح دول العالم. ولذلك فإن قسطنطين دعا يومها إلى أن من الواجب أن نقر بقوة العدو وأن نحسب حسابها عندما ننظر إلى معضلتنا الحاضرة ونسعى لمعالجتها. ولكن في الوقت نفسه، على العرب ألا يقعوا أسرى لوم الأنفس، بل من الحق والواجب أن يقروا بالأخطاء، وإظهار مواطن الضعف في الكيان العربي، وبالتالي فهم المسؤوليه الملقاة على الجميع من أجل تبيان مصادر الضعف ومعالجتها.

وفي إطار معالجة الضعف يدعو زريق إلى تحديث الجيوش والعمل من أجل النهوض الإقتصادي والإجتماعي في موازاة النهوض الإجتماعي والتثقيفي والتعليمي جانباً إلى جانب مع العمل السياسي. كما دعا إلى المقاومة الشعبية وتدريب الكوادر على حرب العصابات في داخل فلسطين وخارجها وأكد على أهمية المقاومة في تحرير فلسطين. ويستشهد على ذلك من خلال دور المقاومات في أوروبا بعد الإحتلال النازي لعدد منها في إضعاف جيشه. وقد كانت المقاومة أحد عوامل النصر، التي ساندت الجيوش النظامية في أوروبا. وينبه إلى أن العرب اليوم لا يقاتلون قوة منتدبة وواضحة بل على الجميع أن يعرفوا أن الصهيونية هي امتداد كاسح لجميع الداعمين لها.

في العام 1967، عاد زريق ليكتب “في معنى النكبة مجدداً”، ويمكننا أن نفهم الألم العميق الذي تزامن مع احتلال باقي أراضي فلسطين، من الضفة الغربية إلى القدس الشرقية وحتى غزة 1967. اذ يعود في البداية إلى ما كتبه في “معنى النكبة” ليجد أنه بجوهره ينطبق على ما حدث في العام 1967. ويعود ليؤكد على النقاط ذاتها، وهي في أسباب النكبة القريبة والبعيدة وعلى وضع الحلول الناجعة لها. ويرى أن المعالجة القريبة تقوم على خمسة أركان: “تقوية الإحساس بالخطر وشحذ إرادة الكفاح، والتعبئة المادية في ميادين العمل كلها، وتحقيق أكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية، واشراك القوى الشعبية في النضال، واستعداد العرب للمساومة والتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر”. ويقصد بمصالح العرب، هي القضايا التي توليها الدول العربية لمشاكلها الخاصة، والتي تضعها في مرتبة توازي أو بمرتبة أهم من قضية فلسطين.

ولكن عندما قدم لمعنى النكبة من جديد، بقي زريق على موقفه بالنسبة للمقاومة والوضع العربي ووجد زريق أن الضعف العربي كامن في نقص العلم وفي جميع المجالات. ويرى أن نهضة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية كانت مبنية على العلم والعلم فقط. وكذلك الأمر في فيتنام. كما شدد على أهمية حرب العصابات التي حررت فيتنام. فنضال فيتنام كان طويلاً وهو دليل على صبرهم الطويل، فقد قاتلوا الفرنسيين ومن ثم اليابانيين، ومن ثم الأميركيين قبل أن ينالوا استقلاهم، وهذه دول كبرى. والجدير ذكره أن فرنسا احتلت فيتنام في أواخر القرن التاسع عشر، وخرجت منها في العام 1954، ثم احتلها اليابانيون، ثم وقعت تحت الإحتلال الأميريكي حتى هزيمتهم بضربات المقاومة التي عرفت باسم “الفيت كونغ”؛ وانسحابهم في العام 1973.

في الذكرى الخمسون للنكبة أقام مركز العودة الفلسطيني في العام 1998 ندوة حول نكبة فلسطين. وكان السؤال المطروح: ما هو المطلوب فلسطينياً وعربياً واسلامياً؟ ومن المحاضرات التي ألقاها المشاركون ظهر دور العامل الإسلامي كواحد من العوامل التي يفترض أن تكون فاعلة في الدفاع عن فلسطين. عقدت الندوة في بيروت. وكان أآنذاك ما يزال الجنوب اللبناني محتلاً، وضربات المقاومة كانت على أشدها. تضمنت الندوة إعادة استعراض للواقع العربي والإتفاقيات التي عقدت مع الكيان الاسرائيلي (كامب ديفيد، اوسلو، وادي عربة) في ظل ضعف عربي مستمر. تحدث عدد من المفكرين في الندوة، ومنهم اللواء طلعت سالم من مصر، والذي لم يخرج مضمون حديثه عما قاله زريق منذ خمسين عاماً. اذ أكد سالم على ضرورة وضع استراتيجيات، والتي يجب أن تنطلق على مرحلتين: الأولى، بعيدة المدى وهدفها احتواء الإعتداء الإسرائيلي ومنعه من التوسع. والثانية، تقضي بتحرير فلسطين والأراضي العربية التي احتلتها. وتحدث عن دور الحكومات العربية وأهمية التصنيع الحربي والعبء الشعبي والذي يكون بتنظيم مقاومة شاملة في الدول المحيطة بفلسطين. ومن ثم يأتي على شرح دور المجهود الدبلوماسي من خلال المنظمات الدولية ودول عدو الإنحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية. كما اتفق كلام سالم مع كلام زريق حول ضرورة وجود ثلاث أنواع من المقاومات: المقاومة العسكرية التي يقع عاتقها على الفلسطينيين والدول المحيطة بفلسطين. والمقاومة الإقتصادية والتي تتمثل ببناء اقتصاد يقاطع البضائع الإسرائيلية وبضائع من يدعم الكيان الاسرائيلي. وأخيراً بناء القوة الذاتية السياسية والتي تتطلب إعادة التضامن العربي. وأوصى سالم بالإستفادة من مراكز الدراسات من أجل بناء قاعدة بيانات خاصة.

واليوم وفي 15 أيار/ مايو تدخل النكبة الفلسطينية في عامها السبعين. ولكن العديد من التغيرات قد طرأت، والتي تحدثت عنها ندوات سابقة عديدة أقيمت باسم فلسطين، ومنها عمليات “السلام” ولكن ليس ما بين الدول العربية، وإنما ما بين الدول العربية والكيان الاسرائيلي. ولكن على المقلب الآخر ما أثبت فعاليته فعلياً هو المقاومة الشعبية، من خلال المقاومة في لبنان، والتي أصبحت مثلاً قوياً على أنه عندما تمتلك الإرادة والدعم الشعبي والمعنوي، والذي تحدث عنه زريق مطولاً، يمكن للمقاومة أن تحقق إنجازات كبيرة.

والمقاومة في فلسطين حتى اليوم لم تتوقف، والنضال الفلسطيني ما يزال على أشده على الرغم من الكبوات العديدة التي تعرضت لها في بعد العام 1982، وخروجها من لبنان، ومن ثم اتفاق أوسلو الذي مزق فلسطين إلى كانتونات تحت مسميات أ ـ ب – ج. والنكسة الأخيرة كانت بإعلان القدس عاصمة للكيان الاسرائيلي وتوقيع ترامب على قرار نقل السفارة الأميركية إلى المدينة المقدسة، ويبدو أن تظافر القوى الدبلوماسية لن يمنع من نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ولكن يمكن لقوة المقاومة الفلسطينية، اذا ما دعمت أن تفعل فعلها.

ولا ندري ما الذي سيقوله زريق في النكبة في سنتها السبعين، ويبدو أن هذه السنه لها خاصية دينية خاصة لدى أتباع المسيحية المعمدانية والإنجيلية في أمريكا، التي تنتظر قيامة المسيح في هذا العام. خاصة في أجواء لم تعد فيها القضية الفلسطينية تحظى بالإجماع العربي الرسمي، ولدى معظم الدول العربية وخاصة لدى تلك التي وقعت معاهدات السلام، والتي في طور تطوير علاقاتها مع الإسرائيلي وبشكل علني مثل السعودية والإمارات والبحرين والمغرب. ولكن هذا لا يلتقي مع الإجماع العربي الشعبي والذي يعول عليه إذا ما تظافر وتماسك.

واليوم في الذكرى السبعين للنكبة، يتحضر الفلسطينيون في غزة من أجل “مسيرة العودة” إلى القدس وإلى بيوتهم، وقد دفعوا حتى اليوم عشرات الآلاف من الشهداء على درب العودة خلال السنوات السبعين الماضية، ومئات الآلاف من المشردين خارجها، وما زالوا يدفعون في كل يوم، وما تزال القضية حية. فالأمر يتطلب الصبر والمقاومة كما قال زريق. ولكن هل ستبقى نار المقاومة مشتعلة أم تعود كما حدث في العام 2000 الى العس تحت الرماد؟ لا يمكن لأحد أن يتنبأ ما الذي سينتج عن مسيرة العودة نحو القدس وأراضي فلسطين 1948، ولكن بالتأكيد: الجميع يترقب

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s